المشاريع
سباق المشاريع الهندسية الفائقة عالميًا: من محطة موديغ للطاقة الكهرومائية إلى نيوم، منطق البنية التحتية والصراع طويل الأمد
عصر المشاريع العملاقة: الحجم لم يعد المعيار الوحيد
في عام 2026، تمتد أكبر عشرة مشاريع بنية تحتية قيد الإنشاء في العالم عبر آسيا وأوروبا وأفريقيا وأمريكا الشمالية، من محطة الطاقة الكهرومائية الضخمة عند منعطف نهر يارلونغ تسانغبو في التبت، إلى مدينة نيوم الجديدة في شمال غرب السعودية التي تبلغ مساحتها 26.5 ألف كيلومتر مربع، إلى شبكة سكك حديدية تعبر ست دول خليجية. تتراوح ميزانيات هذه المشاريع من 32 مليار دولار إلى أكثر من 500 مليار دولار، وتتجاوز مدة تنفيذها عادةً عقدًا من الزمن، ويُقدَّر أن بعضها قد يستغرق نصف قرن.
مجرد سرد حجم وتكلفة هذه المشاريع لم يعد كافيًا لفهم مغزاها. ما يستحق الاهتمام حقًا هو لماذا تظهر هذه المشاريع العملاقة في هذا التوقيت بالتحديد، وكيف تغيّر أنظمة الطاقة والخدمات اللوجستية الإقليمية، وما الدور الاستراتيجي الذي تلعبه رأس المال الحكومي فيها.
اختراق حدود البنية التحتية للطاقة: هندسة وجيوسياسية محطة موتو الكهرومائية
تخطط محطة موتو الكهرومائية بقدرة مركّبة تبلغ 60 مليون كيلوواط، لتصبح أكبر مشروع محطة كهرومائية في تاريخ البشرية. وهي تستغل الانحدار الهائل لنهر يارلونغ تسانغبو عند الطرف الشرقي لجبال الهيمالايا — حيث ينخفض 2000 متر خلال 50 كيلومترًا — عبر أربعة أنفاق يبلغ طول كل منها 20 كيلومترًا تخترق الجبال، لتحقيق توليد سنوي يبلغ 300 مليار كيلوواط/ساعة. هذا الرقم يقارب ثلاثة أضعاف إنتاج سد الخوانق الثلاثة، وصعوبة المشروع تتجاوز بفارق كبير الأخير.
من الناحية الهندسية، يمثل هذا تحديًا لحدود حفر الأنفاق وضغط المياه العالي وحماية البيئة في ظل ظروف جيولوجية بالغة القسوة. من منظور هيكل الطاقة الإقليمي، فإنه يوفر كهرباء نظيفة ومستقرة لجنوب غرب الصين، ويدعم أهداف الحياد الكربوني للحزام الصناعي على الساحل الشرقي. ولكن من زاوية جيوسياسية، فإن إنجاز هذه المحطة يعني وصول قدرة الصين على تنظيم تدفق المجرى الأعلى لنهر يارلونغ تسانغبو-براهمابوترا إلى مستوى غير مسبوق. ويعتمد أكثر من 130 مليون شخص في الهند وبنغلاديش في المجرى الأدنى على مياه هذا النهر، وستمتلك الصين فعليًا السيطرة الرئيسية على الهيدرولوجيا في المجرى الأعلى. هذا الاعتماد غير المتماثل الناتج عن البنية التحتية أصبح متغيرًا جديدًا في لعبة الموارد المائية في آسيا.
ومن الجدير بالذكر أن محطة موتو الكهرومائية ليست مشروعًا معزولًا. فهي إلى جانب مشروع نقل المياه من الجنوب إلى الشمال، تشكلان معًا الشبكة الأساسية لإعادة توزيع الموارد المائية عبر الأحواض وعبر المناطق في الصين. وقد اكتمل بالفعل إنشاء الخطين الشرقي والأوسط لمشروع نقل المياه من الجنوب إلى الشمال، حيث ينقل أكثر من 44.8 مليار متر مكعب من المياه سنويًا، ولا يزال الخط الغربي قيد الدفع. تظهر هذه المشاريع أن الصين تتعامل مع التحدي طويل الأمد المتمثل في التوزيع غير المتكافئ للمياه والطاقة عبر وسائل هندسية وطنية فائقة المدة.
المدينة كبنية تحتية: خطط العاصمة الجديدة والمدينة الذكية
في جنوب شرق آسيا، تحاول إندونيسيا بناء عاصمتها الجديدة نوسانتارا من الصفر في غابات بورنيو المطيرة. ومن المقرر أن تحل هذه المدينة محل جاكرتا الغارقة والمكتظة بالسكان، لتصبح مدينة ذكية خضراء تعمل بالطاقة المتجددة وتضم مساحات واسعة من محميات الحياة البرية. وقد اكتمل بناء المنطقة الحكومية الأساسية إلى حد كبير حتى الآن، بما في ذلك القصر الرئاسي ومباني الوزارات ومساكن الموظفين العموميين، لكن الحجم الإجمالي تقلّص بعد تولي الرئيس برابوو منصبه، حيث يبلغ عدد السكان الدائمين نحو عشرة آلاف نسمة، ولا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت ستتمكن في المستقبل من استيعاب جميع الوظائف الحكومية وفقًا للخطة الأصلية.تتجاوز أهمية مشروع نوسانتارا مجرد نقل العاصمة. فهو يعكس إجراءً متطرفًا تتخذه الدول عندما تواجه المدن الساحلية أزمة بقاء تحت ضغط تغيّر المناخ. تغرق جاكرتا تدريجيًا بسبب الإفراط في استخراج المياه الجوفية وارتفاع مستوى سطح البحر، فاختارت إندونيسيا إنشاء مدينة جديدة بتكلفة تزيد عن 32 مليار دولار، وهو ما يعد من أكثر التجارب طموحًا في مجال البنية التحتية للتكيف المناخي عالميًا.
يظهر منطق مشابه للبنية التحتية الحضرية في عدة مشاريع سعودية. تغطي مدينة الملك عبد الله الاقتصادية شمال جدة مساحة 173 كيلومترًا مربعًا، وتستوعب مليوني نسمة، وتضم ميناءً للمياه العميقة ومنطقة صناعية خاصة. في عام 2025، وقّع المشروع عقود بنية تحتية بقيمة 145.9 مليون دولار لمجموعة صناعات السيارات. لم تعد المدينة مجرد حيز سكني، بل أصبحت منطقة تنمية اقتصادية ومحورًا لوجستيًا وأداة لسياسات الصناعة.
الخليج: إعادة توزيع شبكات النقل والمدن الصناعية
تُعد سكة حديد مجلس التعاون لدول الخليج العربية واحدة من أكبر مشاريع السكك الحديدية العابرة للحدود في العالم حاليًا، بطول إجمالي يبلغ 2177 كيلومترًا، تربط الدول الأعضاء الست بشبكة موحدة. يكمن المنطق البنائي لهذه السكة في أن دول الخليج اعتمدت طويلًا على النقل البري والجوي، وافتقرت إلى ممرات فعالة للسكك الحديدية للشحن والركاب. سيقوّض القطار فائق السرعة زمن الرحلة بين أبوظبي ودبي إلى أقل من ساعة، مع توفير ممرات جديدة للخدمات اللوجستية الصناعية.
يتفاوت التقدم في بناء هذه السكة: وقّعت الكويت عقد التصميم في عام 2025، بينما تمضي السعودية قدمًا بمشروع الجسر البري باستثمارات تبلغ 7 مليارات دولار، ليربط الرياض بجدة ويلتحق بشبكة السكك الخليجية. المشاركة العميقة لمقاولين مثل الشركة الصينية لإنشاءات السكك الحديدية تظهر استمرار اعتماد دول الخليج على القدرات الهندسية الصينية في مجال البنية التحتية.
مشروع آخر يجسّد منطق المدينة الصناعية هو الجبيل الثانية. هذا التوسع لمدينة صناعية تمتد على 6200 هكتار، يركز على البتروكيماويات والهيدروجين النظيف واحتجاز الكربون وإنتاج الأمونيا، ويهدف إلى أن يصبح بحلول عام 2035 واحدًا من أكبر المجمعات البتروكيماوية في العالم. لا تكمن أهميته في الحجم فحسب، بل في استراتيجية التحول السعودية لبناء سلسلة صناعات سفلى خارج تصدير النفط. يشكّل اندماج المدن الصناعية والموانئ والسكك الحديدية الإطار الجغرافي الاقتصادي لمنطقة الخليج في مرحلة ما بعد النفط.
المنافسة على المطارات العملاقة ومراكز الخدمات اللوجستية
يهدف مشروع توسعة مطار آل مكتوم الدولي في دبي إلى أن يصبح أكبر مطار في العالم، بطاقة استيعابية تبلغ 255 مليون مسافر سنويًا، ومساحة 56 كيلومترًا مربعًا، و5 مدارج و4 محطات ركاب. يتولى هذا المشروع "دبي الجنوب"، وسيحل مستقبلًا محل مطار دبي الدولي كقاعدة رئيسية لطيران الإمارات وفلاي دبي. لم يعد المطار مجرد عقدة نقل، بل أصبح منصة أساسية للتنويع الاقتصادي الإقليمي — إذ تحيط به مناطق لوجستية وتجارية وحرة مخططة، تجعله واجهة فائقة الارتباط داخل شبكة التجارة العالمية.في الوقت نفسه، تُعدّ دبي لاند (Dubailand) واحدة من أكبر الوجهات الترفيهية في العالم، إذ تمتد على مساحة 278 كيلومترًا مربعًا، وتضم حدائق ترفيهية وفنادق ومناطق سكنية. ورغم أن تقدّمها توقف عدة مرات بسبب دورات التمويل، فقد اعتمدت تقنيات الطباعة ثلاثية الأبعاد والبناء بالروبوتات. تشير هذه المشاريع مجتمعةً إلى أن مدن الخليج تجعل الاستثمار في البنية التحتية أداةً أساسية لجذب رأس المال والمواهب وتدفقات الاستهلاك العالمية في مرحلة ما بعد النفط.
مفارقة القطار فائق السرعة في أمريكا وسياسات البنية التحتية
يُعد مشروع القطار فائق السرعة في كاليفورنيا أكبر مشروع للبنية التحتية العامة في التاريخ الأمريكي، ومن المخطط أن يمتد من سان دييغو إلى ساكرامنتو بطول 800 كيلومتر. لكن المشروع يواجه فقدان السيطرة على التكاليف وتدخلات سياسية: فقد ارتفعت تكلفة المرحلة الأولى من 33 مليار دولار في البداية إلى 89-128 مليار دولار، وسُحبت أكثر من 5 مليارات دولار من التمويل الفيدرالي، وتأجل موعد الإنجاز إلى عام 2033. وحاليًا، لا يوجد قيد الإنشاء سوى الجزء الأوسط من ميرسيد إلى بيكرسفيلد، واكتمل مسار إرشادي بطول 80 ميلًا.
تعكس أزمة قطار كاليفورنيا فائق السرعة مشاكل نظامية تواجهها الاقتصادات المتقدمة في تحديث البنية التحتية: فترات موافقة طويلة، وتكاليف أراضٍ مرتفعة، وعدم تطابق بين الدورات السياسية ودورات المشاريع. في المقابل، غالبًا ما تكون المشاريع العملاقة في الصين ودول الخليج قرارات استراتيجية وطنية، بتمويل وتنفيذ إداري مركزيين للغاية، مما يجعل الجداول الزمنية أكثر قابلية للتنبؤ. ويُشكل هذا الاختلاف المؤسسي متغيرًا مهمًا في القدرة التنافسية العالمية للبنية التحتية.
نيوم: من المدينة الخطية إلى مركز للطاقة والبيانات
منذ الإعلان عنه، أثار مشروع نيوم اهتمامًا عالميًا بفضل "المدينة الخطية بطول 170 كيلومترًا". في سبتمبر 2025، أوقف صندوق الاستثمارات العامة السعودي الأعمال الرئيسية لمشروع "ذا لاين" بعد تدقيق داخلي، مع تقديرات بأن التكلفة الإجمالية تصل إلى 8.8 تريليون دولار، وقد يتأجل موعد الإنجاز إلى عام 2080. وعند الإيقاف، لم يكتمل سوى أعمال الأساس لمسافة 2.4 كيلومتر فقط.
لكن نيوم لم يتوقف عند ذلك، بل تحول نحو الهيدروجين الأخضر ومراكز البيانات للذكاء الاصطناعي. فقد اكتمل حوالي 80% من مشروع الهيدروجين قيد الإنشاء في أوكساغون بتكلفة 8.3 مليارات دولار. وأنفقت نيوم إجمالًا نحو 50 مليار دولار، تشمل عدة مشاريع فرعية من بينها جزيرة سندالة السياحية الساحلية. يشير هذا التحول إلى أنه حتى في البلدان ذات التمويل الوفير، تواجه اليوتوبيا الحضرية فائقة الحجم قيودًا واقعية، بينما تصبح البنية التحتية للطاقة والرقمنة اتجاهًا استثماريًا أكثر قابلية للتنفيذ.
المنطق الرأسمالي للمشاريع العملاقة: الدولة، الدورة الزمنية، والنهج طويل الأمد
بالنظر إلى هذه المشاريع، يمكن استخلاص قاسمين مشتركين: أولهما، أن معظم المشاريع العملاقة يمولها الدولة أو صناديق السيادة، وليس رأس المال السوقي البحت. فعلى سبيل المثال، يقود مشروع موتو شركة تشاينا باور كونستركشن المملوكة للدولة، ويسيطر صندوق الاستثمارات العامة السعودي على نيوم، وتتحمل الحكومة المركزية الإندونيسية مشروع نوسانتارا. وهذا يسمح لقرارات المشاريع بأن تمتد عبر دورات زمنية تمتد لعقود، لكنه يجعل أهداف المشاريع عرضة للتغيير مع التحولات السياسية.ثانيًا، تعمل هذه المشاريع جميعها على إعادة تشكيل خارطة البنية التحتية الإقليمية بدرجات متفاوتة. مشروع سكك حديد دول مجلس التعاون الخليجي يدمج الخدمات اللوجستية في منطقة الخليج، ومشروع موتو يغيّر النمط العابر للحدود لموارد المياه، ونوسانتارا يرسي سابقةً لنقل العواصم بدافع المناخ. كل مشروع من هذه المشاريع ليس مجرد بناء داخلي لدولة بعينها، بل أصبح متغيرًا خارجيًا يتعين على الدول المجاورة وسلاسل التوريد العالمية الاستجابة له.
في العقد المقبل، سيشعر رأس المال العالمي والمجتمع الدولي بشكل متزايد بالآثار المتسلسلة الناجمة عن هذه المشاريع العملاقة. وسواء اكتمل بناؤها في نهاية المطاف أم لا، فقد غيّرت بالفعل تعريفنا للبنية التحتية—من مجرد أشغال عامة إلى وعاء مركّب يجمع بين الاستراتيجية الوطنية والتنافس الجيوسياسي والتكيف المناخي طويل الأمد. لفهم هذه المشاريع، لا يكفي النظر إلى حجمها وتكلفتها فحسب، بل يجب أيضًا التركيز على كيفية إعادة تشكيلها للاتجاهات الأساسية لتدفقات الموارد والسلطة والسكان.
مسار المراجع · globalinfrareview
تضع globalinfrareview هذه الملاحظة ضمن تنشر جلوبال إنفرا ريفيو تحليلات وإيجازات متعددة اللغات.. المشاريع / الاستثمار / الطاقة والمرافق يوضح الزاوية التحريرية المحلية؛ ينبغي فتح روابط المصادر قبل إعادة استخدام الملخص (ما زالت التواريخ والأسماء وتغيرات الحالة تحتاج إلى تحقق).